الصالحي الشامي
394
سبل الهدى والرشاد
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحوله أصحابه ، عليهم السكينة والوقار ، كأنما على رؤوسهم الطير ، فسلمت ثم قعدت . وقال عروة بن مسعود : كنا في الصحيح حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى إنه لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروا وضوءه ، وكادوا يقتتلون عليه ، ولا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم ، ودلكوا بها وجوههم وأجسادهم ، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها ، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ، فلما رجع إلى قريش قال : يا معشر قريش ، إني جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ، وإني والله ما رأيت ملكا قط قي قومه يعظمه أصحابه ما يعظم محمدا أصحابه ، وقد رأيت قوما لا يسلمونه أبدا . وروى عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحلاق يحلقه ، وقد أطاف به أصحابه ، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل . وفي الصحيح ، أن قريشا لما أذنت لعثمان في الطواف بالبيت حين وجهه - صلى الله عليه وسلم - إليهم في القضية أبى أن يطوف ، وقال : ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وروى عن البراء - رضي الله تعالى عنه - قال : لقد كنت أريد أن أسال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمر فأؤخره سنين من هيبته - صلى الله عليه سلم - وروى الترمذي وحسنه عن طلحة - رضي الله تعالى عنه - أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا لأعرابي جاهل سأله عمن قضى نحبه من هو وكانوا لا يحترؤن على مسألته يوقرونه ويهابونه [ فسأله ، فأعرض عنه ، إذ طلع طلحة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هذا ممن قضى نحبه ] . وروى عن المغيرة بن شعبة - رضي الله تعالى عنه - قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرعون بابه بالأظافير . وقد تقدم في باب هيبته ما فيه كفاية . فصل واعلم أن حرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره وتعظيمه بعد موته لازم كما كان في حياته ، وذلك عند ذكره - صلى الله عليه وسلم - وذكر حديثه وسنته ، وسماع اسمه وسيرته ومعاملة آله وعترته ، وتعظيم أهل بيته وصحابته - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - .